Saturday, March 20, 2010

عيد البشارة: مريم العذراء جمعت المسيحيين والمسلمين في لبنان
الـ"ثيوطوكس" المكرَّمة أبداً مشروع واعد لـ"علاقة وحدوية بين الديانتين"
مريم تجمع المسيحيين والمسلمين في 25 آذار. بات الحلم واقعاً، عيداً واحداً، مشتركاً، وطنياً، "تاريخياً"، الاول من نوعه في العالم، في ظل اهتمام خارجي به، بعدما انتشر صداه. عند المسيحيين، مريم هي "مسكن الله، باب السر الجليل، زهرة البتولية، والدة النور، مفتاح ملكوت السموات، العروسة التي لا عريس لها، إناء حكمة الله، الطاهرة، خدر العرس البتولي، الصبح المنير..."، وغير ذلك الكثير الكثير. وفي القرآن، هي المرأة الوحيدة المذكورة بالاسم اكثر من 30 مرة. فمن هي تلك التي توصف باجمل الكلمات؟ واين موقعها عند المسيحيين والمسلمين؟الحلم الذي صار "عيدًا"بدأت الحكاية بحلم غريب وجواب بسيط. الحلم رواد الامين العام لرابطة قدامى مدرسة سيدة الجمهور ناجي خوري طوال 7 او 8 اعوام، وكان يرى كهنة ورهبانا وراهبات وشيوخا وحجات يصلون معا في احد ملاعب المدرسة، وكان معهم يصلي ايضا، على ما يروي لـ"النهار". وكان الحلم نفسه يتكرر كل 3 او 4 اشهر، "كأن احدهم كان ينكزني كي اتحرك، وصار لدي هوس ان المسيحيين والمسلمين يستطيعون الصلاة معا". اما الجواب فتلقاه على لسان القاضي الشرعي في بيروت الدكتور الشيخ محمد النقري، بعدما سأله مرة في ختام لقاء اسلامي مسيحي دعت اليه الرابطة عام 2006. "سألته: الا نستطيع ان يصلي المسيحيون والمسلمون معا؟ فاجابني: يا ناجي، ما في الا مريم بتجمعنا
يمكن القول ان "النقري وانا ابوا الفكرة"، يحلو له ان يقول. "لدي هوس بجمع المسيحيين والمسلمين معا، والشيخ النقري وضعنا على درب مريم". وعلى الاثر، اعلم خوري اللجنة الروحية في الرابطة برغبة في تنظيم لقاء اسلامي مسيحي، مقترحا توسيع اللجنة بالشيخ النقري، والوزير السابق ابرهيم شمس الدين، والرئيس الاقليمي السابق للرهبانية اليسوعية الاب فاضل سيداروس.



وبعد لقاءات مكثفة للجنة الموسعة، عقد اول لقاء مسيحي - اسلامي في 25 آذار 2007. "اخترنا يوم عيد البشارة، لان له معنى خاصاً، ليس عند المسيحيين فحسب، انما ايضا عند المسلمين"، يشرح. العام 2008، اقترحت ان يكون هناك عيد مشترك مسيحي - اسلامي في 25 آذار، و"طلبنا من اللجنة الوطنية للحوار الاسلامي المسيحي، ولا سيما الدكتور محمد السماك وحارث شهاب، المساعدة في تحقيق هذا المسعى". واشتغلت اللجنتان معا.



قبل 25 آذار 2009، "زرنا الرؤساء الثلاثة، طالبين جعل العيد رسمياً. واجتمع مجلس الوزراء، واقره. لكن الحكومة تغيرت، فلم يوقع المرسوم الخاص به". وقبل مدة، تجدد المسعى مع رئيس الحكومة سعد الحريري، "الذي ابدى حماسة تجاه الامر". حصل ذلك الثلثاء 16 شباط الماضي. وكانت المفاجأة بعد يومين، "باقرار مجلس الوزراء العيد في 18 منه، وتوقيع مرسومه". بالنسبة الى خوري، احتفال المسيحيين والمسلمين بالعيد المشترك هذه السنة "حدث تاريخي فريد، الاول من نوعه".


"والدة الاله الدائمة البتولية"


لطالما شكلت مريم العذراء موضع تكريم وابتهال عند المسيحيين. فهي "والدة الإله (ثيوطوكس- Theotokos) الدائمة البتولية" (Aeparthenos) عند الارثوذكس والكاثوليك، عقيدة أقرها المجمع المسكوني الثالث في افسس العام 431. وعبارة "ثيوطوكس" استخدمها الاسقف الكسندروس الاسكندري في رسالة وجهها الى مجمع التأم في الاسكندرية العام 320 للحكم على بدعة آريوس. ويشرح القديس كيرللس الاسكندري الـ12 (370-444) هذه العقيدة في رسالة الى نسطوريوس، ابي "النسطورية"، احدى البدع التي انكرت على مريم لقب "والدة الاله". قال: "ما دامت العذراء القديسة ولدت بالجسد الله الذي صار واحدا مع الجسد وفق الطبيعة، لهذا السبب ندعوها والدة الاله. ولا نعني بذلك ان طبيعة الكلمة كانت بداية وجودها من الجسد"(1). ويرتبط الشق الثاني من العقيدة، اي "الدائمة البتولية"، (1) بالايمان بان "ابن الله ولد من عذراء حافظت على بكارتها وبقيت عذراء في الولادة وبعدها".



تجاه ذلك، تحرص الكنيستان الارثوذكسية والكاثوليكية خصوصا على هذه العقيدة، رافضتين كليا المقولات التي تجيز امكان ان تكون مريم خسرت بتوليتها وانجبت بنينا آخرين بعد ولادة يسوع. "بتولية مريم دائمة، ونبني هذا الامر على ان لا ذكر في الاناجيل لهذا الموضوع"، يشرح كاهن رعية مار مخايل للروم الارثوذكس في المزرعة الاستاذ في قسم العلوم الاجتماعية والسلوكية في جامعة سيدة اللويزة الاب بولس وهبه في حديث الى "النهار"، قائلا: "اذا كانت هي والدة الاله وانجبت آخرين، فهذا يعني مشاركة في الميراث، مما يعني الغاء فرادة اعطاء الله البشرية انسانا من نوع خاص جدا والذي هو ابنه".



اضافة الى هذا الموقع الخاص الذي تخصصه الكنيستان لمريم، ثمة ايضا نقاط اخرى تتشاركان فيها حول العذراء. "ففي نظرتيهما، مريم هي ام الكنيسة، ام المؤمنين، المثال المدعو اليه المؤمن للتشبه به، والشفيعة، ليس بمعنى البديل عن المسيح، بل تلك التي تأخذ صلواتنا لتقدمها اليه، لانها الاقرب لديه"، يقول.


لاهوت مريمي واكرام


في المقابل، تتمايز الكنيستان في مسائل اخرى. ففي وقت تعتبر الكنيسة الارثوذكسية ان "كل ما ورد في العبادة عن ولادة مريم العذراء ودخولها الهيكل وقيامها من الموت وصعودها الى السماء آراء لاهوتية لم تحدد عقائديا لديها، لانها لا ترتكز على الكتاب المقدس او التقليد الرسولي الثابت"(1)، حققت الكنيسة الكاثوليكية خطوات متقدمة، وصولا الى ارساء ما تسميه "اللاهوت المريمي" الذي يوضح صورة مريم وموقعها. واضافت عقيدتين اخريين: الاولى الحبل بلا دنس، للبابا بيوس التاسع عام 1854، والاخرى انتقال مريم العذراء بالنفس والجسد الى السماء التي حددها البابا بيوس الثاني عشر العام 1950.



وفي نص التحديد العقائدي للبابا بيوس التاسع، "مريم العذراء حفظت من الخطيئة الاصلية منذ اول يوم حبل بها، بنعمة وانعام خاص من الله القادر على كل شيء، نظرا الى استحقاقات السيد المسيح مخلص الجنس البشري...". ويشرح الاب دوبره لاتور اليسوعي (2) "انه لا يمكن فصل الحبل بلا دنس عن قداسة مريم. فهو التأكيد المطلق والشامل لهذا القداسة... ونتيجة امومة مريم الالهية التي تعبّر عن دعوتها الفريدة بالنظر الى تدبير الخلاص". وفي العقيدة الاخرى، يوضح ان "انتقال مريم بالجسد والنفس الى السماء تتويج اعلى لامتيازاتها. وهذا الامتياز يتوِّج اتحادها بابنها... ويوحدها به في المصير نفسه. وقد انتهى هذا المصير بالارتفاع في المجد بنفسها وجسدها".



غير ان للكنيسة الارثوذكسية رأياً آخر. ففي العقيدة الاولى، يشرح الاب وهبه ان "الكنيسة تقول بان العذراء حبل بها مثل كل انسان، وتطهرت من الخطيئة الجدية، عندما قالت نعم للملاك، وذلك كي يكون جوابها طوعيا غير مبرمج". وعن العقيدة الاخرى، يقول ان "الارثوذكس يحتفلون بعيد رقاد السيدة، (بدلا من الانتقال عند الكاثوليك)، للتشديد على انها رقدت، وان الرب الاله نقلها بعد الموت. والواقعة ليست مذكورة في الاناجيل الاربعة، لكنها وردت في احد الاناجيل المنحولة غير المعتمدة كنسياً. والكنيسة الارثوذكسية لم تجعل من انتقال مريم بالجسد عقيدة، حتى لو أنه يُشتَم من صلوات العيد ان المسيح نقلها بالجسد والنفس، ويبقى المهم بالنسبة الى الارثوذكسي انتقالها بالروح الى السماء".



نقطة اخيرة تشكل اختلافا في الرأي ما بين الكنيستين. فالكاثوليك يقولون "بشراكة مريم في سر الفداء"، إذ يشرح المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965) هذه الشراكة في الفصل الثامن الذي خصه بمريم العذراء ضمن دستور عقائدي بعنوان "نور الامم". وعلى ذلك يرد الارثوذكس بان "مريم ليست شريكة في الخلاص، ولا في الفداء. فهي ليست شريكة الله، بل وسيطة، او ممهدة للخلاص والفداء".



الاكرام هو ما تغدقه الكنيستان على "والدة الاله" في مختلف الترانيم والتراتيل والصلوات والاعياد، وتخصانها بمكانة خاصة في الليتورجيا والخدمة الافخارستيا والرتب الطقسية... هل ثمة مبالغة في التقوى الشعبية تجاه مريم؟ يلاحظ الاب وهبه انه "صار هناك اكرام شعبي لمريم عند الكاثوليك والارثوذكس يلامس العبادة. كأن الناس، بهذه التقوية الشعبية، نسوا يسوع، وجعلوا من العذراء بديلا"، عازياً الامر الى "قلة وعي، والى شعور بشري تجاه الأم، اكثر مما هو شعور الهي".


مريم في القرآن: الحيز مهم


أين هو موقع مريم العذراء عند المسلمين؟ "القرآن يعطيها حيزا مهما من آياته الشريفة، منطلقاً في ذلك من نظرة الاسلام الواقعية الى الانسان في انسانيته، من دون النظر الى عنصر الانوثة والذكورة فيه"، يقول الشيخ حاتم اسماعيل لـ"النهار": "لقد بلغت مكانتها في الاسلام، اضافة الى الاضاءة على حياتها وكراماتها في اماكن متفرقة، وبصور متعددة، ان سميت السورة التاسعة عشرة من القرآن باسمها".



نقاط عدة يبرزها اسماعيل ليبيّن، وفق قوله، "القيمة المعنوية التي يوليها القرآن لحياة مريم، واهميتها العظيمة في الاسلام". واولها "اعلان حقها في الاختصاص بالهيكل، على نحو يخالف ما جرى عليه التقليد اليهودي في التاريخ والنصوص المقدسة"، يشرح. ويضيف ان "الموقع الذي احتلته في نفوس الانبياء والكهنة، رغم كونها انثى، دفعهم إلى التنازع والتنافس على من سينال هذه الحظوة الالهية، وبيّن القرآن في مرة نادرة بل وحيدة، ان رزقها كان يأتيها من السماء، بتوسط الملائكة، من دون ان يخالط يد بشري او صنعه، مما يؤدي الى امتلائها طهارة واصطفاء وحسن علاقة بالله تعالى".



وفي رأيه، تبقى "قمة المحطات المهمة في حياة مريم، وفق القرآن، اختصاصها بالكرامة الكبرى، وهي ولادتها الاعجازية التامة، من دون ملامسة رجل، مع تأكيد بيان طهارتها ونقاوتها". ويخلص الى ان "المكانة التي نالتها مريم في الاسلام تفوق المنزلة التي حصلت عليها في المسيحية بمراتب، رغم انها تقول انها والدة الاله، لكنها لم تسلط الضوء عليها كما يجب في النصوص المقدسة".


مريم الجامعة


نعم مريم توحد، تقرّب القلوب. يقول الاب وهبه: "لا نريد ان نجعل الفروق الطفيفة في النظرة الى مريم بين الكاثوليك والأرثوذكس مشكلة، فهو اختلاف في النظرة ناتج عن الحب لها. ويمكن ان نعود ونتوحد بمريم التي هي امنا جميعا. وعند المسلمين، هي ام النبي عيسى. فمريم هي المظلة التي تمتد فوق الكل، ونتدفأ، مسيحيين ومسلمين، تحت جناحيها".



ويعتبر الشيخ اسماعيل انه "يمكن تأسيس على هذه مكانتها في الديانتين ودرس شخصيتها استنادا الى الوقائع التاريخية في النصوص المقدسة والشروع منها في تأسيس علاقة وحدوية بين الديانتين، مع الابقاء على خصوصية كل منهما".



في 25 آذار الجاري، تجمع مريم المسيحيين والمسلمين حولها في عيد بشارتها. ويحل الرئيس البولوني السابق ليش فاليسا ضيفا على الرابطة في اللقاء الذي تقيمه في مدرسة سيدة الجمهور. اما الخطوة اللاحقة بعد تحقيق العيد فستكون تأسيس "جمعية اللقاء الاسلامي المسيحي حول سيدتنا مريم"، التي ستضم ممثلين لنحو 30 او 40 جمعية تتعاطى الشأن المريمي او الحوار الاسلامي- المسيحي"، يكشف خوري قائلا: "نعمل معا. والبطل الوحيد هو مريم، ونحن ادوات لنخدم الوطن. ومريم هي التي تجمع".



(1) "الرؤية الارثوذكسية لوالدة الاله"- منشورات "النور".
(2) "خلاصة اللاهوت المريمي" للاب اوغسطين دوبره لاتور - دار المشرق.